نشر الأربعاء 7 أيلول 2011
أولويّة رفع الحد الأدنى للأجور وإضراب في 12 ت1 إذا فشل الحوار مع ميقاتي
يحتدم النقاش بشأن الملفات الاقتصادية الاجتماعية المطروحة أمام الحكومة. في إطاره، تزداد المطالبات العمالية بمعالجة القضايا الملحّة وإجهاض أي طرح بزيادة الضرائب، وتحديداً الضريبة على القيمة المضافة (TVA). هكذا يحدّد الاتحاد العمالي موعداً للإضراب العام إن لم يُستجب لمطالبه، وعلى رأسها زيادة الحدّ الأدنى للأجور وإقرار التغطية الصحّية الشاملة.
فبعد مرور أشهر على تأليف حكومة، لا تزال وعودها الخاصة بمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، الواردة في بيانها الوزاري، غير محقّقة، وفقاً لبيان أصدره الاتحاد العمالي العام بعد جلسة استثنائية عقدها أمس، برئاسة غسان غصن ومشاركة عدد من الاتحادات التي كانت تقاطع الجلسات، وعلى رأسها الاتحاد الوطني لنقابات العمال.
أهمّ ما قرّره الاتحاد تمحور حول ثلاث نقاط: أوّلاً، ضرورة رفع الحدّ الأدنى للأجور من 500 ألف ليرة حالياً إلى 1250000 ليرة، وذلك «استناداً إلى المعدّل التراكمي للتضخّم الذي بلغ منذ عام 1996، 120%». كذلك هناك ضرورة زيادة التقديمات الاجتماعية ومضاعفة بدل النقل إلى 16 ألف ليرة عن كلّ يوم عمل، ورفع منح التعليم إلى مليون ليرة عن كل تلميذ، وربط التعويضات بمرسوم غلاء المعيشة، بما يوازي 75% من الحدّ الأدنى للأجور.
ثانياً، مواجهة أي طرح لزيادة الضرائب غير المباشرة، غير العادلة اجتماعياً. ففيما يبدو أنّ مشروعاً لزيادة معدّل الضريبة على القيمة المضافة نقطتين مئويتين إلى 12%، شدّد الاتحاد على أنّه «سيقف في مواجهة أي طرح يرمي إلى زيادة الضريبة على القيمة المضافة ويحذّر الحكومة من اللجوء إلى مثل هذه الممارسات الجائرة التي تنطوي على تكرار مأساوي لتجارب سابقة أدّت إلى تراجع القدرات الشرائية للمواطنين وزيادة معدّلات الفقر». كذلك أكّد أنه لن يقبل بمحاولات الحكومة لإجهاض مطالب محقّة عبر التلويح بمثل هذه الزيادة الضريبية، ولا سيما مطالب تصحيح الأجور وتوفير التغطية الصحية الشاملة وإقرار الاستثمارات العامة المطلوبة لضمان حقوق المواطنين بالكهرباء ومياه الشفة والنقل العام.
ثالثاً، إعلان الإضراب في 12 تشرين الأوّل المقبل، في حال عدم التوصل إلى تسوية للملفات المطروحة، أي في حال فشل الحوار الذي توافق الاتحاد ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي على فتح بابه حتّى بداية الشهر المقبل.
ويُشدّد بيان الاتحاد على أنّ ملف الحدّ الأدنى للأجور هو الأكثر إلحاحاً، وهو يردّ على تحفّظات أصحاب العمل وجمعيات التجار في هذا الشأن. يقول إنّ «إعادة القدرة الشرائية للأجور، ليست فقط إنصافاً لحقّ العمال، بل وكذلك لتنشيط الدورة الاقتصادية والحدّ من الانكماش الاقتصادي وركود الأسواق، ولتحقيق نمو فعليّ في قطاعات الإنتاج».
ولفت الاتحاد إلى أنّ هناك من «لا يدرك علاقة الأجور بالأسواق ويتطلّع إلى كلفة الإنتاج من زاوية الأجر فقط كعبء على الأسعار»، وأنّ «السبب الحقيقي لانكماش الأسواق هو الاحتكار والجشع وحصرية الوكالات». على هذا الأساس، «ما يهدّد المؤسسات ـــــ ولا سيما الإنتاجية ـــــ بالإفلاس، هو سياسات الحكومة الريعية والكلفة الباهظة، وفتح الأسواق والمنافسة غير المشروعة التي أزالت العوائق الجمركية وأغرقت الأسواق، ما حوّل المجتمع اللبناني من منتج إلى مستهلك».
ولكن إلى أي درجة يجب أن يرتفع الحدّ الأدنى؟ هل رفع بنسبة 150%، وفقاً لطرح الاتحاد، هو المنطقي، أم يجب أن يكون أقل (أو ربما أكثر)؟ الأكيد أن الإجابة تحتاج إلى دراسات معمّقة في إطار سياسة حكومية مالية اقتصادية عامّة. لكن الأكيد أيضاً أن الحدّ الأدنى يجب أن يرتفع حالياً، وهذا ما خلصت إليه دراسة أعدّها الخبير الإكتواري إبراهيم مهنّا بعنوان «الانعكاسات الاقتصاديّة والاجتماعية للزيادة المطلوبة في الحدّ الأدنى للأجور» (المطلوبة من جانب الاتحاد العمالي العام)، نُشرت أمس.
تقول الدراسة إنّ الرفع يجب يكون بنسبة 50%، ليُصبح الحدّ الأدنى للأجور 750 ألف ليرة؛ وتعتمد في تحليلها على معدّلات التضخّم المسجّلة منذ عام 2008 (حين أُقرّت أوّل زيادة على الحدّ الأدنى منذ عام 1996، بلغت 200 ألف ليرة)، وتعتمد أيضاً على الطرح العلمي بأنّ الحدّ الأدنى يجب أن يكون أعلى من خطّ الفقر الأعلى بنسبة 150% (وتحديد هذا الخطّ يستند إلى تقويمات البنك الدولي، برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي ووزارة الشؤون الاجتماعية: 4 دولارات للفرد يومياً أي 9.2 دولارات لعائلة مؤلّفة من 2.3 فرد). كذلك تستند إلى تصنيف البنك الدولي بأنّ معدّلاً للحدّ الأدنى للأجور إلى متوسط الأجور يراوح أدنى من 20% هو «منخفض»، فيما معدّل أعلى من 50% «مرتفع كثيراً». والحسابات التي تستند إليها الدراسة تضع المعدّل عند 35% في عام 2010، على اعتبار أن الحدّ الأدنى هو 500 ألف ليرة، ومتوسّط الأجور هو 1.423 مليون ليرة.
تقول الدراسة إنّ «مراجعة الوضع في لبنان والتحليل المرتبط يُشيران إلى أنّ هناك مجالاً لزيادة مستوى الأجر الأدنى» غير أنّها تُشير إلى أنّ الزيادة المقترحة (إلى 1.25 مليون ليرة) يُمكن أن تكون لها «انعكاسات سلبية على العمال ذوي الدخل المنخفض وعلى العاطلين من العمل». وفي استنتاجاتها تُشدّد الدراسة على أنّ «هدف زيادة الحد الأدنى للأجور هو زيادة دخل أسر ذوي الدخل المنخفض لتغطية نفقاتها». غير أنّها تُشير إلى أنّ «طريقة بديلة» لتحقيق هذا الهدف يُمكن اللجوء إليها تتمثّل في «الإعانات الحكوميّة»: هناك خيار جعل النظام الضريبي أكثر عدالة، وكذلك تطبيق إصلاحات في قطاعي المياه والكهرباء، تؤدّي إلى وفر في ميزانية الأسرة قيمته 100 دولار شهرياً. إضافة إلى «إنقاذ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من مصاعب العجز الحالي».
(الأخبار)