«جحيم» الإيجارات التجارية
بقلم اخبار لبنان
نشر الإثنين 5 أيلول 2011
Share

لا يزال لبنان «يتميز» بأنه أغلى مدينة تجارية في المنطقة. إيجار المتر الواحد في المحل التجاري يصل إلى 2000 دولار، وفي المكاتب إلى 375 دولاراً

محمد وهبة

يظهر المسح الذي أجرته «كاشمان أند ويكفيلد» عن أغلى إيجارات تجارية في مدن العالم أن بيروت تصنّف في المرتبة الـ37 بين 63 مدينة في العالم، وفي المرتبة الـ 3 بين 13 مدينة في الشرق الأوسط وأفريقيا، وفي المرتبة الأولى، أي الأغلى بين كل المدن العربية التي شملها المسح. فيما تقول شركة «رامكو» العقارية إن إيجارات المكاتب تصل إلى 375 دولاراً للمتر المربع في المناطق الأساسية الخمس المرغوبة في لبنان.
جاءت نتائج «كاشمان أند ويكفيلد» مبنيّة على أسعار الإيجارات في عدد من الأسواق التجارية في بيروت، فتبيّن أن أعلى إيجار في عام 2011 يقع في «مول» الـ«ABC» في الأشرفية ويبلغ 2000 دولار في حزيران 2011، أي بزيادة نسبتها 33% مقارنة مع حزيران 2010، ليكون أعلى من معدل الشرق الأوسط وأفريقيا بنسبة 54%، البالغ 1297 دولاراً للمتر الواحد. في المرتبة الثانية جاءت منطقة الكسليك، حيث كلفة إيجار المتر الواحد تبلغ 1500 دولار، أي بزيادة نسبتها 7.1%، ثم شارع فردان حيث استقرّت على 1400 دولار، ثم في وسط بيروت التجاري حيث تبلغ 1300 دولار، أي بانخفاض نسبته 13.3%، وشارع الحمرا بكلفة 850 دولاراً للمتر الواحد، أي بانخفاض نسبته 5.6%.
وبحسب «كاشمان»، زادت أسعار هذه الإيجارات بين حزيران 2010 وحزيران 2011 في بلدين فقط في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، ولبنان أحدهما؛ لأن «قيمة هذه الإيجارات في مناطق التسوّق في بيروت لا تزال مقاومة أو ممانعة للأزمات الخارجية. فمن أبرز مقومّات هذه الممانعة الإيجارات المتصلة بخدمات الأكل، فضلاً عن وجود العديد من الماركات الفخمة التي تفتح فروعاً لها في لبنان». لكن محصلة النتائج تظهر تقلّص الطلب على الإيجارات التجارية في لبنان «بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي»، فأدى ذلك إلى تقوية موقف المستأجرين التفاوضي للحصول على عقود إيجارات جديدة أو تجديد القديم منها، «وبالتالي لا تزال مستويات الإيجارات في المواقع الرئيسية متعلقة بخلاصة المراجعات التي تجري للعقود الجديدة».
رغم كل ذلك، نمو هذه الأسعار ليس منسجماً مع ما يحصل في العالم، أو في المنطقة. ففي الفترة المذكورة، أي بين حزيران 2010 وحزيران 2011 ارتفع معدل أسعار الإيجارات التجارية في الشرق الأوسط وأفريقيا بنسبة 0.01%، أي أنه كان شبه مستقرّ؛ ففيما ارتفعت الأسعار في 7 مناطق، انخفضت في 8 مناطق مقابلة، وكانت مستقرّة في 12 موقعاً في هذه المنطقة.
تأتي هذ النتائج لتكشف عن واقع «غريب ـــــ عجيب» في لبنان، فبحسب رئيس هيئة المعماريين العرب هيام الراعي، هذا الغلاء في أسعار العقارات التجارية «ليس طبيعياً، وليس مستنداً إلى معايير معروفة أو قاعدة معينة». ولا يجد الراعي تفسيراً لهذا الوضع سوى دخول الأموال الخارجية إلى لبنان التي أدّت إلى ارتفاع أسعار العقارات التي تمثّل جزءاً من أسعار الإيجارات، فكلما ارتفعت أسعار المبيع ارتفعت أيضاً أسعار الإيجارات، إلا أنه يؤكد أنه «ليست هناك ضوابط لكل ما يجري على هذا الصعيد».
ويقول الخبير العقاري المحلّف توفيق سنان، إن المعيار المعتمد لتحديد سعر الإيجار التجاري في لبنان هو بنسبة تراوح بين 8% و13% من سعر المبيع، أو بمعدل وسطي يبلغ 10%. فإذا كان سعر متر المبيع يبلغ 20 ألف دولار، يبلغ معدل الإيجار 2000 دولار.
إذاً، هذه هي الحال في المناطق اللبنانية المذكورة في مسح «كشمان أند ويكفيلد»، أو على الأقل هكذا يجب أن تكون. لكن المعروف أن العوامل المؤثّرة في تحديد الأسعار لا تنحصر في إطار التسعير العقاري فقط بحسب سنان؛ «فهناك أسباب أخرى تجعل من أسواق هامشية أعلى كلفة من أسواق أساسية تطرق إليها المسح»؛ فعلى سبيل المثال، الإيجار التجاري في شارع مثل عفيف الطيبي يصل إلى 1200 دولار، وفي صبرا يتجاوز 800 دولار إذا كان متوافراً.
ومن أبرز العوامل أيضاً، التركّز السكاني والنظام المركزي في لبنان الذي يدفع سكان المناطق إلى التسوّق في المدينة حيث تكاد العقارات التجارية تكون محصورة في بيروت والمتن. فهذا التركّز يستقطب الماركات العالمية، والعيادات الطبية. لكن للأمر أسباب إضافية متفرّعة من هذا النظام التركّزي؛ فالمساحات المتوافرة في السوق للإيجارات التجارية ضئيلة، والأسعار مرتبطة إلى حدّ ما بالقدرة الشرائية للسكان وسهولة الوصول والخروج من السوق…
يضيف الراعي إلى هذه العوامل «المول» عنصراً أساسياً مؤثّراً على الأسواق؛ فهناك «ترتفع وتنخفض بناءً على إحصاءات تجريها إدارة هذه المؤسسات». فهذه الأسواق الجديدة تؤثّر على الأسعار، ولا سيما أنها بدأت تحصد نسبة هامة من رواد الأسواق التقليدية، وأول ما يتأثر بهذه الموجة الأسواق التجارية المتفرّعة من الأسواق الأساسية في الوسط التجاري للمدينة (ليس المقصود سوليدير، بل وسط بيروت التجاري الواسع الذي يشمل فردان وكليمنصو والأشرفية…). إلا أنه لا يمكن تفسير وجود محالّ بعيدة عن بيروت، لكن يضربها الغلاء!
ما يعزّز هذا الوضع أن التقرير الأخير لشركة «رامكو» العقارية يؤكد أن أول 5 وجهات للأعمال (المكاتب التجارية، لا المحال التجارية) هي كالآتي: سوق بيروت التجاري، بارك أفنيو، التباريس، فردان، كليمنصو. ففي سوق بيروت التجاري التي تشمل شوارع ويغان، فوش، أللنبي، هناك عيبان أساسيان: النقص في مواقف السيارات والازدحام في الشوارع. ورغم ذلك، فإن المكاتب في هذه المنطقة من الأكثر استقطاباً بكلفة تراوح بين275 دولاراً و325 دولاراً لإيجار المتر الواحد. الأمر نفسه ينطبق على منطقة «بارك أفنيو» في وسط بيروت التجاري التي تصل إلى محيط مركز «ستاركو»، وهي منطقة مرغوبة من الشركات الباحثة عن مكاتب أساسية لها، لكن كلفة الإيجار للمتر الواحد تراوح بين 325 دولاراً و375 دولاراً.
وفي التباريس ـــــ الأشرفية وفردان، تصل كلفة إيجار المتر الواحد للمكاتب إلى 275 دولاراً، لكنها تنخفض قليلاً في كليمنصو إلى 250 دولاراً.