نشر الخميس 8 أيلول 2011
الودائع زادت 7.14 مليارات دولار… بعضها جاء من سوريا
كان لافتاً أن تعود وتيرة التدفقات المالية باتجاه لبنان إلى الارتفاع خلال الأشهر الأخيرة، فالنتائج المصرفية التي ظهرت خلال الأشهر السبعة الأولى من هذا العام بدأت تشير بوضوح إلى استمرار الانتفاخ المالي، الذي صار صعباً استيعابه وهضمه، لا بل إن التوقعات التي كانت تشير إلى «هدوء» التدفقات المالية تغيّرت بفعل عوامل خارجية أدّت إلى عودة التدفقات المالية من الدول المحيطة، ولا سيما من سوريا. هذه العوامل نفسها تمثّل في المقابل خطراً يتهدد القطاع، بعدما أُخضعت العمليات المصرفية الصادرة والواردة إلى لبنان لمراقبة مشدّدة، وأُصلت عليها سيف العقوبات.
يشير مصرفيون الى أن مبالغ كبيرة جرى تحويلها من الخارج إلى مصارف معيّنة في لبنان، إلا أن جزءاً مهمّاً من هذه الودائع خرج بعد فترة قصيرة إلى مصارف في قبرص وفي بعض الدول الأوروبية، حيث للمصارف اللبنانية المعنية فروع خارجية، أو مصارف تابعة. ويفسّر هؤلاء المصرفيون ذلك بأن بعض السوريين عمدوا الى تهريب أموالهم من سوريا، إلا أنهم خافوا من تركها في لبنان تحسباً لاحتمال أن تطاولها العقوبات وقرارات التجميد، فطلبوا من هذه المصارف مساعدتهم على إيداعها في اوروبا، لكون المصارف هناك محصّنة اكثر.
وترفض المصادر المصرفية تقدير حجم هذه العمليات إلا أنها تجزم بأن حجمها ليس قليلاً أبداً، إذ ارتفعت الأصول الأجنبية للمصارف اللبنانية منذ مطلع السنة الجارية حتى نهاية تموز بقيمة 3683 مليار ليرة، أو ما يعادل 2.44 مليار دولار، لتبلغ 42466 مليار ليرة.
وبحسب الإحصاءات التي تصدرها جمعية مصارف لبنان عن الأشهر السبعة الاولى من السنة الجارية، زادت ودائع القطاع الخاص بقيمة 10769 مليار ليرة، أو بما يعادل 7.14 مليارات دولار. تركّزت معظم هذه الزيادة على قاعدة الودائع المقوّمة بالدولار، فارتفعت من 70.91 مليار دولار في نهاية 2010 إلى 77.47 ملياراً في نهاية تموز 2011. وتزامنت هذه الزيادة بالدولار مع ارتفاع وتيرة التحويلات إلى الليرة، ما أسهم في إبقاء معدلات دولرة الودائع عند مستوى 66.7%.
في هذا الإطار، ارتفعت الميزانية المجمعة للمصارف العاملة في لبنان في نهاية شهر تموز إلى 206343 مليار ليرة، أو ما يعادل 136.8 مليار دولار، أي بزيادة قيمتها 11989 مليار ليرة منذ نهاية 2010، وبزيادة قيمتها 2183 مليار ليرة مقارنةً بنهاية حزيران 2011.
وزادت ودائع المصارف لدى مصرف لبنان خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة الجارية بقيمة 6612 مليار ليرة، لتبلغ 67390 مليار ليرة، وزادت توظيفات المصارف في الدين العام بقيمة 3008 مليار ليرة، لتصبح 41182 مليار ليرة، فيما زادت التسليفات للقطاع الخاص بقيمة 3716 مليار ليرة لتبلغ 49418 مليار ليرة.
وبحسب الإحصاءات نفسها، فإن أول شهر من عام 2011 شهد تراجعاً في قاعدة الودائع بقيمة 389 مليار ليرة، ثم تلاه ارتفاعاً بقيمة 1629 مليار ليرة، وفي شهر آذار ارتفعت بقيمة 3169 مليار ليرة، وفي شهر نيسان ارتفعت بقيمة 3152 مليار ليرة، ثم تراجعت في أيار بقيمة 33 مليار ليرة، وعادت إلى الارتفاع في شهر حزيران بقيمة 728 مليار ليرة، إلى أن ارتفعت أخيراً في تموز بقيمة 1734 مليار ليرة. ويحاول بعض المصرفيين أن يجد رابطاً موضوعياً بين هذه الوتيرة من زيادة الودائع الشهرية والتطورات في سوريا، ليؤكّد وجود تحويلات من هناك متصلة بالأحداث والتوقّعات، إلا أنه لا يمكن تفسير هذه التطوّرات في الميزانية المجمّعة بمعزل عن تطوّر معدلات الفوائد والأدوات المالية التي يصدرها مصرف لبنان، ووزارة المال، لامتصاص السيولة الفائضة في القطاع المصرفي، ولتمويل الدين العام وخدمته. فمعدلات الفوائد المثقلة التي يدفعها مصرف لبنان على ودائع المصارف بالليرة تبلغ 2.92%، حيث توظّف المصارف نحو 67390 مليار ليرة، فيما يبلغ معدل الفائدة المثقلة على سندات الخزينة 7.19%، وهو لا يزال أقل من معدل الفائدة المثقلة على شهادات الإيداع التي يصدرها مصرف لبنان، والبالغ 9.23%، أما معدل الفائدة المثقلة على الودائع الجديدة بالليرة، فقد بلغ 5.62%. وبالتالي، فإن الجزء الأساسي من أرباح المصارف هو من الفرق بين الفائدة على ودائعها وعلى توظيفاتها في سندات الخزينة وشهادات الإيداع على نحو رئيسي، لكن المعروف أن المصارف أحجمت في الفترة الماضية عن الاكتتاب في سندات الخزينة، فاضطر مصرف لبنان إلى الاكتتاب فيها، ما زاد حصّته في محفظة هذه السندات إلى 33%.
أما معدّل الفوائد المثقلة على الودائع بالدولار، فقد سجل 2.84%، فيما بلغ متوسط معدلات الفوائد على الودائع بالدولار لدى مصرف لبنان 3.24%، وهو أعلى من المعدّل العالمي بكثير، الذي لا يتجاوز نصفاً في المئة في أحسن الأحوال.
وتقول جمعية المصارف إن مصرف لبنان أصدر شهادات إيداع بالليرة بقيمة 26236 مليار ليرة حتى نهاية تموز 2011.
هذه التطورات فرضت تغيرات موازية في بيانات مصرف لبنان، فقد انخفضت الأصول الأجنبية لدى مصرف لبنان بقيمة 898 مليار ليرة، لتصبح في نهاية تموز 45878 مليار ليرة.
قانون أميركي
قال رئيس جمعية مصارف لبنان جوزف طربيه في منتدى «المستجدات في المعايير الدولية لمكافحة تبييض الأموال وقانون امتثال الضرائب»، إن عمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب أصبحت من أهم نشاطات الجريمة المنظمة، لذلك فإن المصارف «مطالبة بالحذر والتعاون في مسألة اللوائح التي تردها من المرجعيات الأمنية الدولية، في شأن حسابات يشتبه في علاقتها بهذا الموضوع». وأشار إلى أنه في هذا المجال «تبرز مطالب أميركية جديدة باعتبار التهرب الضريبي من ضمن الاستهدافات التي تسعى إدارة الضرائب الأميركية إلى مكافحته، وإدراجه ضمن الحرب على الأموال غير المشروعة، مما يتطلب تعاوناً دولياً تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى تعميمه على المجتمع المالي الدولي. وقد تمثّل هذا الإجراء بإصدار قانون تحت عنوان الالتزام الضريبي للحسابات الأجنبية المعروف بقانون (FATCA) الذي يباشر تطبيقه بدءاً من كانون الثاني 2013».