فساد الطيران المدني
بقلم اخبار لبنان
نشر الخميس 8 أيلول 2011
Share

نفوذ العريضي يتعاظم في قطاع يستأثر به السياسيون
عندما يكون قطاع اقتصادي مولّداً للربح والنفوذ في آن واحد، يتحوّل كعكة للتقاسم. في الطيران المدني اللبناني يسري هذا الوضع على نحو مثالي. فعلى أكثر من صعيد يئنّ القطاع من جراء المحاصصة وسوء الإدارة، فيما الجهة الحكومية المسؤولة، وزارة الأشغال العامّة والنقل، صمّ بُكم

حسن شقراني

رحلة النائب وليد جنبلاط إلى بنغازي كانت محفوفة بالمخاطر، ليس فقط لأنّ الطائرة التي استقلّها هي من طراز عام 1979، بل لأنّ قطاع الطيران المدني في لبنان، وتحديداً في شقّه الخاص، مقلق فعلاً نظراً إلى المصالح السياسية الهائلة التي تتحكم في مفاصله، وعدم الاحتكام إلى معايير الإدارة الرشيدة.
يحذّر خبراء معنيّون في القطاع من هذا الواقع؛ فالريبة تتحوّل في معظم الأحيان إلى مخاطر؛ تلك المخاطر تتعاظم، فيما الوزير، وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي، الذي يُفترض أن يكون ساهراً على سلامة القطاع وازدهاره الاقتصادي، يُغمض عينيه.
ويبدو أن نجاة (!) رئيس جبهة النضال الوطني من رحلته إلى ليبيا، كانت ضرباً من ضروب الحظّ. فوفقاً للمعطيات التي يوفّرها الخبراء أنفسهم والجهات الدولية، هناك مشكلة حقيقية في إدارة قطاع الطيران المدني. مشكلة تجلّت في استقالة (أو إقالة!) المدير العام للطيران المدني حمدي شوق في نهاية العام الماضي.
«سيطر غازي العريضي على مديرية الطيران المدني منذ تسلّمه حقيبة النقل» يقول أحد الخبراء (رفض ذكر اسمه) العارفين تفاصيل القطاع. «إنّه ينسّق مجموعة الأعمال مع موظّفين من المستوى الثالث، ما يُهدّد بوضع لبنان على اللائحة السوداء الأوروبية قريباً».
ووفقاً لأرقام المنظّمة العالمية للطيران المدني (وهي هيئة تابعة للأمم المتّحدة) فإنّ لبنان يخالف بنسبة 90% معيار «كفاءة الموظّفين» في القطاع، بحسب البيانات الصادرة في نهاية عام 2008.
تلك الممارسات لها كلفتها الكبيرة في هذا القطاع، فإذا أضحى لبنان على اللائحة السوداء، لن يعود بإمكان «MEA» أن تحطّ طائراتها على مدارج بلدان القارة العجوز «نظراً إلى نقص الرقابة على عمل الطيران المدني؛ وهو وضع يبدو أنّه يُكرّس سياسياً»، يتابع الخبير نفسه. والانعكاس السلبي على لبنان/ السياحة سيكون كبيراً.
بيد أنّ الكلفة لا تقتصر على الخسائر المادية وحجم الأعمال، بل تتعداهما إلى الأرواح البشرية؛ فخلال السنوات الأخيرة سُجّلت مجموعة حوادث في الطيران المدني اللبناني، أبرزها كان حادث تحطّم طائرة الخطوط الجوية الإثيوبيّة (رحلة ET 409) في كانون الثاني عام 2010، التي راح ضحيتها 90 شخصاً، معظمهم من المغتربين اللبنانيين في أفريقيا.
الحديث عن مصالح سياسية في قطاع الطيران الخاص (Private Jet) في لبنان ليس مستهجناً؛ فهناك على الأقلّ 10 شركات تتبع مباشرة لجهات سياسية، أو على علاقة مباشرة (مادّية أو عائليّة) بطرف سياسي أو هيئة سياسية راعية للقطاع، وعلى رأسها وزارة الأشغال العامّة والنقل، يقول المتابعون.
وبحسب لائحة دائرة سلامة الطيران المدني التي تعدّها وزارة الأشغال العامّة والنقل مع المديرية العامّة للطيران المدني، هناك 19 شركة مشغّلة للطيران الخاص والتجاري في لبنان. بدايةً «خطوط طيران الشرق الأوسط» (MEA)، التي يُمكن المرء أن يُحدّث من دون حرج عن المشاكل الكثيرة التي تعتري عملها غير الشفاف؛ فرغم أنّ الشركة مملوكة بالكامل تقريباً من مصرف لبنان، أي من الشعب اللبناني، لا أحد يُمكنه تفسير لماذا تتبع الشركة سياسة توسّعية رغم تسجيلها خسائر في الربع الأوّل، يقول الخبراء.
تحوي اللائحة 10 شركات طيران خاص، بينها شركة «Aorporate Jet s.a.l» التي يملكها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بحسب المصادر المذكورة؛ شركة «Emerald Jets» القيم عليها طلال وهاب «وهو مقرّب جداً من غازي العريضي»؛ شركة «MED Airways» التي يملكها مازن البساط «القريب من النائب فؤاد السنيورة»؛ شركة «Open Sky Aviation» ويُمثّلها رسمياً هيثم الأزهري «وهي تابعة لوزير الدولة مروان خير الدين»؛ شركة «IBEX Air Charter»، التي يمثّلها أحمد الحاج «وهو مقرّب من الرئيس نبيه برّي» (مع العلم أنّ رخصة عمل هذه الشركة تنتظر مرسوماً جديداً من مجلس الوزراء بحسب إعلان مديرية الطيران المدني)؛ كذلك هناك شركة «Executive Aircraft» التابعة لوزير المال محمّد الصفدي.
يتحدّث المعنيّون عن هذا الوضع الغريب، مع التأكيد أن العديد من الشركات المرخّصة على أنّها طائرات خاصّة (أي إنها لا تسيّر رحلات خاصة بهدف الربح، بل فقط رحلات نقل لأصحابها) تُسيّر رحلات خاصة تجارية مخالفة للقانون. «وتجري التغطية على هذا الأمر كأنّه لا يحدث طالما أن أحداً لا يُعاقب!».
ولعلّ من أبرز الأدلة على سياسة «الفلتان» في قطاع الطيران المدني، أنّ أياً من الحوادث المسجّلة في القطاع لم تُوضح أسبابها بعد، ولم يُعاقب المسؤولين عنها. فالتقرير الخاص بتحقيقات حادثة تحطّم الطائرة الإثيوبية لم يصدر بعد، وقد آثر غازي العريضي تأجيله حتّى الخريف رغم اكتمال نتائج التحقيق.
كذلك، فإنّ حادثة تحطّم الطائرة التابعة لشركة «Skylounge Services» في مدينة السليمانية العراقية في بداية العام الجاري مرّت مرور الكرام؛ فرغم أنّ أسباب الحادث أضحت معروفة (وهو تقصير في احترام معايير إذابة الجليد، والصيانة، حيث إن محرك الطائرة كان معطّلاً قبل فترة من تحطّمها) لا تزال الشركة تتمتع برخصتها (مدّة صلاحية الرخصة هي حتّى 9 تشرين الثاني عام 2012). ولا تسقط من البال معلومات حصول هذه الشركة على رخصتها بسرعة قياسية: 4 أسابيع كانت كافية لإصدار الرخصة، فيما الفترة المطلوبة لدراسة الملف لا تقلّ عن 3 أشهر؛ وتعود هذه السرعة في الترخيص إلى المحسوبيّات في تسهيل أعمال البعض وعرقلة أعمال آخرين.
ولعلّ أبرز أسباب اهتمام السياسيين بالقطاع هي أرباحه الدسمة والنفوذ الذي يُولّده توظيف العاملين؛ فالشركة التي يبلغ حجم أعمالها 30 مليون دولار سنوياً، تُحقّق أرباحاً تقارب مليوني دولار؛ فكيف الحال إذا كانت هناك شركات طيران خاص/ شخصي تُستعمل للطيران الخاص التجاري؟ الأجوبة في جعبة غازي العريضي، الذي يُفترض أنّه يُدير اللعبة في إطار ممارسة مسؤولياته لتطوير القطاع وحماية أرواح الناس، لكن يبدو أن هناك أشياء أخرى تشغل باله.


481

رقم قانون إدارة قطاع الطيران المدني الذي صدر في كانون الأوّل من عام 2002، ويقضي بإنشاء الهيئة الناظمة للطيران المدني، غير أنه لم يُطبّق! وفي ظلّ الفضائح التي ارتُكبت في القطاع في عام 2010، قرّر رئيس الحكومة السابق سعد الحريري تفعيله، غير أنّ شيئاً لم يحدث، ويبدو أن التشوه مستمر في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي.


الأمور لم تكن يوماً ورديّة

يتولّى دانييل الهيبة حالياً منصب المدير العام للطيران المدني بالوكالة، بعد استقالة حمدي شوق في كانون الأوّل عام 2010؛ والمعلومات المتداولة تفيد أنّ الأخير قرّر التنحّي «في ظلّ خلافات حادّة مع الوزير غازي العريضي الذي أطبق عليه من كلّ الجهات» يقول المطّلعون، لكن حتّى في حقبة شوق لم تكن الأمور ورديّة، فالمؤشّرات التقنيّة في القطاع، تقنياً وبشرياً، لم تكن مثيرة للإعجاب، حيث ارتفع معدّل عدم تقيّد «هيئة الطيران المدني»، من حيث الهيكليّة ووظائف الرقابة وضمان سلامة الطيران، إلى 70% بحلول عام 2008، فيما الحد الأقصى عالمياً هو 40%.