نصف القوى العاملة لا يعمل [1]
بقلم اخبار لبنان
نشر الثلاثاء 6 أيلول 2011
Share

البنك الدولي: التدفقات الخارجية شوّهت البنية الاقتصادية

تنشر «الأخبار» على حلقتين ملخّص نتائج برنامج أعدّه البنك الدولي بالتعاون مع وزارة العمل باسم «MILES». يقسم البرنامج إلى 3 أقسام؛ توصيف سوق العمل، الخيارات الاستراتيجية المتاحة، أثر هذه الخيارات وكلفتها. في الحلقة الأولى تعرض «الأخبار» التوصيف والنتائج التي توصل إليها البرنامج، وفي الحلقة الثانية تعرض الخيارات وأكلافها

محمد وهبة

يختصر برنامج «MILES» الذي أعدّه البنك الدولي بالتعاون مع وزارة العمل خمسة مكوّنات؛ السياسات الاقتصادية التي تشجّع الاستثمارات في قطاعات ذات قيمة مضافة، مناخ الاستثمار، تنظيم سوق العمل ومرونة الموارد، نظام التعليم، وسياسات الحماية الاجتماعية. عُرضت النتائج في ورشة عمل عُقدت منذ أيام بمبادرة من وزير العمل شربل نحّاس، وبحضور وزراء وكبار الموظّفين في وزارات العمل والطاقة والمال والاقتصاد والصحة والتربية ومصرف لبنان، وخلصت إلى وجود قصور وتشوّهات اقتصادية، نجم عنها نمط محدّد، من أبرز انعكاساته اختلال سوق العمل. فلم يخلق هذا النمط فرص عمل للأعداد المتزايدة من الشباب المتعلّم، وسجّلت معدلات البطالة ارتفاعاً متواصلاً، ولا سيما لدى الإناث، فيما كان الاعتماد على الموارد الخارجية وتصدير العمالة الماهرة التي لم يستفد منها لبنان… وهذا الوضع ينسحب على كل أدوات ومفاصل الاقتصاد.

وعاء مكشوف

كان ضرورياً للبرنامج توصيف الوعاء الاقتصادي لسوق العمل قبل توصيفها. فتبيّن أنه وعاء مكشوف على تدفقات مالية من المهاجرين ومن موارد خارجية، أي إنها مرتبطة بأسعار النفط لتتحوّل إلى عنصر أساسي لتحفيز النشاط الاقتصادي، رغم أنها فشلت في تحقيق نمو مستدام. وبالتزامن مع ذلك، تركّزت الاستثمارات في قطاعات معيّنة، حتى بات النمو محصوراً بالتجارة والبناء، حيث كانت فرص العمل المولّدة للبنانيين محدودة.
من أبرز نتائج هذا الوضع أن الاستهلاك الداخلي (العام والخاص) خلال الفترة 1997 ــ 2009 كان أكبر من الناتج المحلي بنسبة 25%، فجرت تغطيته بتمويل خارجي. أما على صعيد الاستيراد، فقد مثّل المعدل السنوي الوسطي للبضائع 39% من الناتج، فيما كان معدل استيراد المعدات 0.7% من الناتج، علماً بأنه مؤشر إلى محدودية التطوير الجاري في القدرات الإنتاجية، أي إنه يفسّر جزئياً عدم خلق فرص العمل، ويُظهر تداعيات اعتماد سياسات اقتصادية معادية لقطاعات الإنتاج وآثارها السلبية. كذلك أدى هذا النمط، إلى أداء الدين الممولّ من القطاعين العام والخاص دور القناة الأساسية لمرور التدفقات المالية الخارجية عبر المصارف بصورة أساسية، أي القناة بين المدخرات الخارجية والاستهلاك المحلي، فتحوّل الناتج المحلي الإجمالي إلى أضعف حلقة. وكان لهذه التدفقات الخارجية تأثيرات سلبيّة أيضاً، فأدّت إلى خفض في النمو الحقيقي، وشوّهت قطاعات حيوية، فازدادت معدلات سعر الصرف الحقيقية بنسبة 140% بين 1992 و2010، وزادت الأسعار المحليّة بنسبة 21% بين 1997 و2009، ولم يعد الاقتصاد منافساً بعدما بات مكشوفاً على المنافسة الخارجية، وتركّز النمو في قطاعات تنتج سلعاً غير قابلة للتصدير. في المحصّلة كان مجمل الإنفاق العام يزيد بمعدل 35% سنوياً، فيما كانت خدمة الدين تزيد بمعدل 48% سنوياً مقابل زيادة العائدات بمعدل 33%، كما تراجع الدخل من الضرائب بنسبة 24%.
يعود الفضل في هذه النتائج إلى السياسات الاقتصادية المعتمدة خلال العقدين الأخيرين، التي تُرجمت عملياً في آخر 3 سنوات بارتفاع التدفقات الخارجية الصافية، وزيادة التركّز القطاعي وارتفاع في العائدات وفي الفائض الأولي، ما فتح فجوة للتعامل مع القصور والتشوّهات على المدى الطويل.

بطالة المتعلمين

في هذا الإطار، تُظهر البيانات أن نصف القوى العاملة عاطلة من العمل أو تعمل في السوق الموازية (غير النظامية)، وأن معدلات البطالة الأعلى ضمن فئة متخرّجي الجامعات الرجال، حيث تبلغ 14% ، أما لدى النساء في فئة الشهادات الجامعية، فهي 18% وفي فئة الشهادات الثانوية 26%. هذا يعني أنه كلما تعلّم الشخص في لبنان، تعرّض اكثر للبطالة او للهجرة، أي إن الطلب على العمالة يتركّز في أعمال لا تحتاج إلى مهارات عالية أو تعليم، فالنتائج تؤكّد أن 47.8% من القوى العاملة تتركّز في خدمات ذات قيمة متدنية (بيع بالجملة، صيانة الآليات، النقل والتخزين، الإقامة وخدمات الأكل، نشاطات عقارية) وغير ماهرة، فيما 9.4% يعملون في أعمال ذات قيمة إنتاجية مرتفعة (المعلوماتية، التأمين والقطاع المالي، نشاطات علمية وتقنية للمحترفين).
أما العمالة في السوق الموازية، فهي غير ماهرة، وتتركّز في الإنشاءات والزراعة والصناعة، إذ هناك 63% من العمال الزراعيين غير مصرّح عنهم، و55% من عمال الصناعة، و76% من عمال البناء، و49% من العاملين في القطاعات ذات القيمة المرتفعة.
ومن خصائص سوق العمل في لبنان، أن البحث عن العمل بالنسبة إلى الوافدين الجدد يُعدّ عملية طويلة، إذ إن معدل إيجاد العمل لحاملي شهادات ابتدائية يصل إلى 3.8 سنوات، ولحاملي شهادة ثانوية 2.2 سنة، ولحاملي شهادة جامعية 1.5 سنة. أيضاً، مدّة استمرار البطالة طويلة وتصل إلى 1.36 سنة لمن أعمارهم أقل من 35 عاماً و2.3 سنة لمن تزيد أعمارهم على 35 عاماً، علماً بأن أكثر وسيلة لإيجاد العمل هي عبر المعارف الشخصية بنسبة 80%.
وتعدّ أجور النساء والعاملين في السوق الموازية أقل بنسبة 11% لكل منهما، فيما رواتب العاملين في القطاع الزراعي أقل بنسبة 15%. واللافت أن 40% من العاملين هم في مراكز لا تتناسب مع مهاراتهم، فيما يرغب ثلثهم في تغيير وظائفهم، لكن 48% من الرجال العاملين في السوق الموازية يرغبون في تغيير وظائفهم. أما الذين يعملون لحسابهم الخاص، فهم مكتفون بأعمالهم، باستثناء النساء غير الماهرات، الراغبات في تغيير وظائفهن.
وتمثّل الاستقلالية الحافز الأساسي للعمل الخاص، فنحو 64% من العاملين لحسابهم الخاص قالوا إن الاستقلالية هي المحفّز، فيما قال 21% إن السبب هو ارتفاع الدخل. علماً بأن سبب الرغبة في التحوّل إلى العمالة الرسمية المصرّح عنها هو الاستقرار والأمان الوظيفي، ثم الأمان الاجتماعي. ومن المهم الإشارة إلى أن 63% من الراغبين في تغيير عملهم لا يجدون وقتاً للبحث عن عمل جديد، و17% منهم فقط بحثوا عن عمل لكنهم لم يتمكنوا من إيجاد عمل جديد. عدم إيجاد العمل سببه عدم وجود فرص عمل جديدة، بحسب ما قال 35% من العاملين، الذين حاولوا تغيير وظائفهم.


19000 وظيفة

هو عدد فرص العمل المطلوب سنوياً خلال السنوات العشر المقبلة من أجل استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل، أي أنّ على الاقتصاد خلق 5 أضعاف ما يخلقه حالياً من فرص عمل، البالغ 3400 فرصة جديدة


«خنق» فرص العمل

تقول الدراسة التي أجراها البنك الدولي ووزير العمل شربل نحاس في إطار برنامج «MILES»، إن لبنان يواجه مشاكل بنيوية تمنع خلق فرص عمل كافية، وبالتالي يجب وضع سياسات تدخّل حيث يجب؛ فعلى سبيل المثال، يجب تحسين أداء التأمين الصحي الاجتماعي (تقديمات تقاعد، صحة، بطالة) لتخفيف كلفة العمل وإعادة تمويل هذه التقديمات من الخزينة العامة، ثم الاستثمار في نوعية خدمات التوظيف بمشاركة القطاع الخاص، وتحسين مستوى الإنتاجية وإعادة توزيع الثروة.