نشر الأربعاء 4 كانون الثاني 2012
قوة لبنان في اقتصاده الحر والمرن والقائم على المبادرة الفردية، وايضاً على مؤسسات كانت في أساس صموده واستمراره على مر سنوات الحرب وأثبتت قدرة فائقة على التكيّف مع مختلف الازمات في إداراتها ومعالجتها. وفي مقدمة هذه المؤسسات البنك المركزي اللبناني أي (مصرف لبنان) الذي نجح في اجتياز أزمات واختبارات صعبة وخطيرة ونجح في تثبيت الاستقرار النقدي والمالي وفي اكتساب ثقة اللبنانيين بالليرة اللبنانية والقطاع المصرفي اللبناني. ومما لا شك فيه ان هذا النجاح بلغ اقصى درجاته مع وصول رياض سلامة إلى حاكمية مصرف لبنان الذي نقل القطاع المصرفي اللبناني إلى مرتبة العالمية واخذ على عاتقه مهمة إدارة السياسة المالية والنقدية للدولة اللبنانية بما يتناسب مع الشروط والمعايير الدولية وبنجاح قل نظيره وذلك بشهادة “القريب والبعيد والمحب والطامح والحسود والحقود”…
شركة طيران الشرق الاوسط (M.E.A) هي واحدة من المؤسسات التي تصنف في خانة المؤسسات “المكافحة” والطموحة. وهذا التصنيف يعد إلى حد ما “حديثاً” لأن شركة “الميدل ايست” لم تنهض من كبوتها إلا منذ عشر سنوات تقريباً بعدما وضع مصرف لبنان يده عليها لإنقاذها من الافلاس وبعدما منيت بخسائر بملايين الدولارات إبان الحرب الاهلية التي استمرت من العام 1975 وحتى العام 1990… ففي العام 1996 اصبحت الشركة في عهدة مصرف لبنان وعَيَّنَ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أحد المدراء في مصرف لبنان محمد الحوت مديراً عاماً لشركة “الميديل إيست” وتم اختياره من دون اعتبارات سياسية ومن دون وساطات ومداخلات من جهات حزبية أو مرجعيات رسمية كانت أم سياسية. وهذا ما ساعد في إبقاء شركة “الميدل إيست” بمنأى عن التجاذبات والتدخلات السياسية ولمجرد ان محمد الحوت غير محسوب على اي جهة حزبية أو سياسية وليس له سوى رب عمل واحد هو مصرف لبنان الذي يعتبر قانوناً سلطة الإشراف والوصاية على الميدل إيست وهو المرجع الوحيد للحوت ومجلس إدارة الشركة.
كان إنقاذ “الميدل إيست” مهمة صعبة جداً وأقرب ما يكون إلى مهمة ومسؤولية وطنية. فهذه الشركة التي باتت رمزاً من رموز لبنان الوطن و”اجنحة الارز” إلى كل انحاء العالم تَعَلقَ بها اللبنانيون وأحبوها وافتخروا بها، ولم تكن فكرة إفلاسها أو سقوطها مقبولة ومبررة لدى اللبنانيين في أي حال من الاحوال خصوصاً ان الجميع في حينها سياسيين واحزابا وناسا عاديين كانوا يعرفون أين يكمن الداء، لكنهم لم يكن يعلمون كيف الوصول إلى الدواء وهو منع التدخل السياسي والحزبي عن الشركة.
وكان إنقاذ الميدل إيست مطلباً شعبياً ووطنياً عارماً وحاجة معنوية تحفظ كرامة وعنفوان هذا الوطن، وتحققت هذه الامنية بفضل حكمة ورؤية وتصميم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وجهود وحسن إدارة ومتابعة محمد الحوت، فهذا الشاب الآتي من عالم آخر ليس له أي صلة في إدارة شركات الطيران، عمل بجهد كبير ومن دون إبطاء على تنفيذ خطة إنقاذية تحت إشراف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وتوجيهاته. ففي العام 1997 أعاد الحوت تنظيم هيكلية الشركة مخفضاً عدد الموظفين بنسبة أربعين في المئة ومخففاً من الاعباء المالية التي كانت ترزح تحتها الشركة، والحق يقال هنا (ان الشركة اعطيت غطاءً سياسياً ودعماً من الاحزاب والقوى السياسية التي كانت تضع يدها على المطار أيام الحرب المشؤومة للقيام بهذه الخطوة) ، ومعززاً في المقابل وتدريجاً من إنتاجيتها ومردودها. كما قام بتحديث اسطول الطائرات وطور الانظمة وجعل الخدمة في الشركة ومستوى طائراتها يضاهي المستويات العالمية. وهذه السياسات والخطط هي التي أدت إلى وقف مسلسل الخسائر المتراكمة منذ العام 1976، وانتقلت “الميدل إيست ” من شركة على “شفير الافلاس” حتى لا نقول مفلسة ، إلى شركة رابحة وناجحة ورائدة وهي اليوم تحقق الارباح الكبيرة، ولا اذيع سراً ان قلت ان الشركة استطاعت ان تحقق ارباحاً تصل إلى 600 مليون دولار خلال العقد الاخير.
وبعدما كان البحث جارياً في فترة التسعينات عن طريقة للتخلص من عبء “الميدل إيست” عبر بيعها او تصفيتها، فإن البحث يدور في هذه الايام حول الطريقة الفضلى والتوقيت الأنسب لطرح أسهمها في السوق المالية بعدما اصبحت شركة جاذبة للمستثمرين وأصحاب الرساميل ، وبعدما أثبتت هذه الشركة الوطنية قدرتها على التعاطي مع مختلف أنواع الازمات والتحديات السياسية وتجاوزها خصوصاً منها الازمات الداخلية وذلك بفضل انفتاح مدير عام الشركة محمد الحوت ومجلس الادارة على كل القوى والاحزاب السياسية وتحييدهم شركة طيران الشرق الاوسط عن التجاذبات السياسية الداخلية.
كان كل ذلك واضحاً في محطات عديدة والتي كان أخطرها وأصعبها في حرب تموز 2006 خلال فترة العدوان الاسرائيلي على لبنان والذي لم يسلم منه مطار رفيق الحريري الدولي، وفي العام 2008 قبل احداث 7 أيار وخلالها وبعدها وخصوصاً ان هذه الاحداث انعكست سلباً على أمن المطار ومحيطه وحركته والطرقات المؤدية إليه، وانعكست طبيعياً توتراً مذهبياً داخل الشركة بين الموظفين، فتعاطى الحوت بوعي وحكمة مع هذا الوضع الخطير طالباً من جميع الموظفين والعاملين عدم نقل هذه الخلافات إلى داخل الشركة ووضع المصلحة العليا للشركة فوق كل اعتبار واتخذ يومها تدابير على الارض ساهمة في تهدئة أجواء التحدي التي كانت قائمة داخل حرم الشركة خصوصاً بين الموظفين الذين ينتمون إلى تيارات سياسية وحزبية ومذهبية مختلفة، ما جنب الشركة الكثير من الخسائر المادية والاضطرابات والانقسامات السياسية، كما التزم حرفياً بتوجيهات حاكم مصرف لبنان خلال الازمة المالية العالمية التي وضعت مجمل قطاع الطيران في العالم في أزمة خانقة وفي مرحلة تراجع وتقلص للعائدات والارباح، وهو ما اضطر العديد من شركات الطيران إلى تخفيض عدد موظفيها وإلى خفض متكرر لأسعار بطاقات السفر، فيما حافظت الميدل إيست على كل موظفيها وطواقمها وطياريها وخفضت في بعض الاحيان اسعار بطاقات السفر ما سبب خفضا تلقائيا في حجم الارباح لكن بقيت الميدل إيست واقفت على أقدامها صامدة وهذا ايضاً نجاح يسجل للحوت ومجلس الادارة مجتمعاً.
لكن في المقابل فان خطط التطوير والتحسين التي كان ينفذها محمد الحوت بمهنية وكفاءة عالية وبمساعدة مجلس ادارة متضامن وموحد ومن دون أية خلفيات وارتباطات سياسية وحزبية وطائفية، كانت تصطدم في أغلب الاحيان بالعوائق والمصالح و”المافيات” المالية، وهي العوائق السياسية ذاتها التي عرقلت لسنوات جهود الحكومات المتتالية في خفض الانفاق بهدف الحد من الدين العام والحد من الفساد القائم في الكثير من مؤسسات الدولة، وآخر نموذج لتدخلات أصحاب هذه المصالح كان قبل ايام واسابيع عندما نفذ الطيارون إضراباً الحق الاذى والضرر المعنوي “بالميدل إيست” ولو عن غير قصد منهم، كما الحق الخسائر المادية المباشرة بالشركة والتي تقدر بنحو ثلاثة ملايين دولار…
والمسألة هنا لا تتعلق بصوابية وأحقية مطالب الطيارين الذي نتعاطف معهم على الصعيد الانساني والمعيشي، ونحن مع اعطائهم حقوقهم المشروعة والمحقة بأسرع وقت ممكن، وان يزول لديهم كل شعور بالغبن والاجحاف، وتتوافر لهم البيئة الاجتماعية والنفسية التي تساعدهم على تأدية عملهم الحساس والمسؤول عن ارواح الناس على أفضل وأحسن ما يكون…
لكن المسألة هنا تعدت الامور المطلبية للطيارين ولم تعد تتعلق بمطالب وظيفية ومعيشية وغيرها لأن التحرك المطلبي للطيارين استغل من جهات من خارج شركة “الميدل إيست” ومن تجار لهم مصلحة في إضعاف الشركة وضرب صورتها، وهذه الجهات تعمل بصفة “سمسار” لدى بعض المتمولين الذين يعدون العدة لما بعد انتهاء حصرية الشركة للدخول في صفقة البيع او غيره، واذا اردنا ان نسمي الاشياء بأسمائها (نقول ان هؤلاء السماسرة هم طيارون سابقون ومسؤولون سابقون في الشركة) والهدف واحد وحيد هو خفض القيمة المالية للشركة مع اقتراب موعد انتهاء الحصرية التي تتمتع بها شركة الميدل إيست حتى ايلول 2012، واذا اردنا ان نكون موضوعيين وصادقين مع الناس وجب علينا القول بأن استغلال التحرك من قبل هؤلاء كان دون علم نقيب واعضاء نقابة الطيارين، وهذا ما جعل الحوت يتخذ بعض القرارات “الفجة” ويصعد اللهجة والخطاب ليعيد الأمور إلى نصابها الصحيح بعدما وردت إليه وإلى مجلس الادارة معلومات عن النيات في استغلال هذا التحرك المطلبي من بعض “التجار والسماسرة” من اجل خفض قيمة الشركة مع اقتراب موعد انتهاء الحصرية وهذا ما جعله يعلي الصوت ويرفع اللهجة ويتصرف بحزم (وهذه التصرفات انتقد عليها قي بعض الاحيان من قبل اعلاميين وسياسيين) وكان ذلك كله من أجل وضع الطيارين أمام مسؤولياتهم ومن اجل اخراجهم من هذه اللعبة التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
محمد الحوت بخبرته ومتابعته لسير الامور كان يعلم بأن هذه الاضطرابات ستكون لها انعكاسات سلبية على وضع الميدل إيست وموقعها التفاوضي بعد انتهاء الحصرية، وان الاكمال في الاضراب بهذه الطريقة ستكون له انعكاسات سلبية وخسائر مادية كبيرة على الشركة وسيوقع اضراراً كبيرة على مصالح العاملين والموظفين في الشركة، وسيكون هذا عائقاً أمام الخطط الجاري درسها حالياً من قبل الادارة لتحسين أوضاع العاملين والموظفين استناداً إلى اتفاقات وقعتها إدارة الشركة مع مختلف النقابات لتحسين أوضاعهم وذلك بكلفة شهرية تجاوزت المليون دولار، من هنا كان له هذا الموقف النابع عن قناعة بان ما يقوم به يحمي الشركة ويخرج الطيارين من لعبة لا دخل لهم فيها لا من قريب ولا من بعيد وهي اكبر منهم وتتخطاهم وهي ليس لها اية صلة بمطالبهم الذي يريدونها…
وإذا كان الاستقرار الاداري والمالي والعملي داخل شركة الميدل إيست عنصراً وشرطاً اساسياً لتقدمها وتعزيز مدخولها ومردودها وانتاجيتها وربحيتها، فإن الاستقرار الامني والسياسي في البلد هو الشرط المكمل والمساعد. فكل مرة كان الاستقرار يتعرض لاهتزازات كما حصل هذا العام مع انهيار حكومة الوحدة الوطنية، أو مع الترقب لمسار المحكمة الدولية وقرارها الاتهامي، كانت حركة تدفق المسافرين والسياح والمغتربين إلى مطار بيروت وعبره تتأثر حكماً وتكون “الميدل إيست” أول من يتلقى نتائج هذا التراجع في الحركة، كونها أكثر المؤسسات “حساسية” وتأثراً بالمناخ العام إيجاباً أم سلباً…
فرأفة بالبلد ومؤسساته الوطنية وبمئات العائلات التي تعتاش من خلال عملها في هذه الشركة الوطنية وفي ظل هذه الاوضاع المعيشية والاقتصادية الصعبة نتمنى على الطيارين التنبه لخطورة ما يحاك للشركة وعدم السماح “للتجار والسماسرة” باستغلال تحركهم ومطالبهم المحقة وعدم اعطائهم الفرصة لتحقيق رغباتهم في وضع أيديهم على شركة “الميدل إيست” وان يتحلوا بكثير من الهدوء والحكمة خدمة لمصالحهم ومستقبلهم ومستقبل عائلاتهم.
أما “للسماسرة والتجار” فنقول قليل من الحياء يا تجار الهيكل، وكثير من الروح الوطنية على حساب الانانية ولغة المصالح الشخصية والمالية والطمع…
كوت :
مطالب الطيارين محقة ومشروعة… ولكن
“سماسرة ومتمولون” يستغلون تحرك الطيارين والحوت بالمرصاد