زقــاق الــبــلاط حـيــث تـسـكــن قـصـص مــن غــادروا

الإثنين 30 يوليو 2012
أخر تحديث : الإثنين 30 يوليو 2012 - 12:24 مساءً

صادر حاجز تابع لـ«حركة فتح» سيارة سيمون زيتوني تاجر الألعاب اليهودي الذي كان يمتلك محلاً قرب بوابة إدريس خلف بلدية بيروت. فركض سيمون مسرعاً نحو أحمد ملاّح، تاجر الألعاب الشيعي، قاصداً إياه من أجل إنقاذ السيارة. كان ملاّح، ابن منطقة زقاق البلاط، على معرفة شخصية بأبي عمار وهاني الحسن والأخ «فريح». الاسم الأخير من المفترض أنه لقيادي فلسطيني «يحمل أكثر من مئة باسبور». سارع ملاّح لمساعدة زيتوني الذي «لم يكن مؤذيا». كانت خدمة من تاجر لتاجر.
توجّها إلى منطقة صبرا حيث أشار زيتوني إلى سيارته المركونة في فناء المكتب، فدخلا مكتب المسؤول الفلسطيني فؤاد، وبعدما أشار زيتوني بإصبعه إلى السيارة نظر ملاّح إلى فؤاد الذي قال له: «السيارات كلها بأمرك». أرجعت السيارة لصاحبها.
دارت الأيام. اجتاح الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان ووصل إلى الجبل والعاصمة. جاء السوري أدهم شحادة صاحب فرن في وادي أبو جميل قاصداً أحمد ملاّح في خدمة إيصاله إلى منطقة المصنع كي يتمكن من العبور إلى بلده بعيداً من المضايقات الإسرائيلية. سأل أحمد شقيقه خضر وابن شقيقه إيصال أدهم والعودة. وقال لخضر: «إذا اضطررت ادفع للإسرائيليين نقوداً من أجل عبوركم».
في بحمدون، أوقف الحاجز الإسرائيلي قرب صفّ الدبابات الإسرائيلية المسافرين الثلاثة. للصدفة، يخرج سيمون زيتوني من بين العسكر الإسرائيلي مرتدياً بيجاما رياضية. ينتبه إلى خضر فيناديه ثم يركض ليعانقه ويقبّله.
سأله خضر، الذي فوجئ به، عن سبب وجوده بين الإسرائيليين، فضحك سيمون. الضباط الإسرائيليون أدّوا التحية العسكرية لسيمون مراراً.
أخبر سيمون الضباط الإسرائيليين بالخدمة التي قام بها أحمد ملاّح لمصلحته مع «فتح»، ثم أمّن للمسافرين الثلاثة طريقاً إلى منطقة المصنع بعدما أسرّ في أذن خضر: «أنت وأخوك لا أنساكما». عاد خضر ليروي ما حصل معه لشقيقه أحمد. عندما انسحب الإسرائيليون من بيروت اختفى سيمون زيتوني ولم يُعرف عنه شيء من وقتها.
الروايتان السابقتان بلسان الحاج أحمد ملاّح، أبو سامي. وللجالس مع الحاج أن يسمع منه عشرات القصص الشبيهة. فالحاج كنزٌ من خبريات منطقة زقاق البلاط. منها ما هو شخصي ومنها ما يرتبط بالمنطقة وأهلها وسكانها.

ألو.. شمعون؟

وُلد الحاج أبو سامي في منطقة زقاق البلاط قبل خمسة وسبعين عاماً وتربّى فيها. ومع أن نفوس العائلة التي هبطت من بلدة عين قانا الجنوبية إلى المدينة أسوة بالكثير من العائلات التي سكنت في زقاق البلاط مسجّلة في منطقة الباشورة القريبة، إلا أن حياتها وأملاكها ووجودها كانت دائماً في زقاق البلاط.
اختار أبناء البلدات الجنوبية الأولون الذين وفدوا إلى المدينة بحثاً عن لقمة العيش زقاق البلاط للسكن فيها بسبب قربها من وسط المدينة النابض بالتجارة والحركة والأعمال والحياة. وخلال الاحتلال الإسرائيلي وفد جنوبيون إلى حيث لهم أقارب من الشيعة البيارتة فسكنوا وعملوا وتملكوا لاحقاً. جاء أبناء بلدات خربة سلم وميس الجبل وتبنين والسلطانية وشحور وحومين الفوقا وغيرها.
زقاق البلاط والباشورة متداخلتان. ابن الحاج أبو سامي، عباس، هو مختار الباشورة ورغم ذلك قرّر أن يتخذ من أحد شوارع زقاق البلاط مقراً لمكتبه الأنيق الذي علّقت على جداره صورة له مع الرئيس نبيه بري، وصورة أخرى للإمام موسى الصدر تأكيداً على التزام العائلة التاريخي والسياسي بخط «حركة أمل».
وبالرغم من الالتزام السياسي الواضح، إلا أن علاقات العائلة نُسجت مع الناس جميعاً من دون استثناء بحكم عملها في التجارة التي لا تفرض قيوداً في التعاطي مع أي كان. فوالد أبو سامي وشقيقيه مثلاً دفنا في مقبرة الباشورة التابعة للسنّة.
والحاج كان نشيطاً جداً في شبابه. نفخ عضلاته عندما لعب «الحديد» في نادي مليح عليوان (الصحة والقوة)، وتدرّب على المصارعة. شعره كان طويلاً و«شينيون» من ثلاث أو أربع طبقات. لم يخبئ مسدسه «الأربعطعش» إلا مؤخراً كي لا يُسجّل ظهور المسدس على خصره عيباً على الشيب في رأسه. والنساء أحببن الحاج ولحقن به، فصادقهن. الكثيرات منهن. حتى حملته أم سامي وذهبت به إلى الحج والزيارة ثلاث مرات. لكن مفتاح «الحلّ الديني» بيد أم سامي لم ينجح بقفل «نفس» الحاج. عندما سافر إلى أميركا لتأسيس مطعم دارت النساء الأميركيات وبنات «العرب» من حوله، فما كان من أم سامي إلا أن أخذته بيده وعادت به إلى بيروت.
ينفخ الحاج صدره كشاب عشريني عندما يستحضر هذه القصص اليوم. يقطعها ليؤدي الصلاة ثم يعود ليروي في دكانه الذي يبيع فيه الألعاب، والواقع مقابل قصر مخيش العتيق في شارع الأسير، الكثير من القصص التي لا تنتهي. كمال جنبلاط كان عنده مكتب في شارع الشرتوني. كذلك كان بيار الجميل الجد يأتي إلى الشارع نفسه ليزور أصدقاءه من آل عواد، أهل الموسيقي والممثل فؤاد عواد. المير مجيد إرسلان كان يملك فيلا في منطقة البطركية. محمد الهبري كان رأسمالياً كبيراً ويملك فيلا في البطركية وكان صديقاً شخصياً للرئيس كميل شمعون. كلّما علق مسلم في المنطقة الشرقية يقصد الحاج فيلا الهبري ليرفع صاحبها سماعة الهاتف ويتصل مباشرة بشمعون الذي يعمل على إخلاء سبيله. الإمام موسى الصدر زار زقاق البلاط مرات عدة. المنطقة كان فيها سنة وشيعة ومسيحيون ودروز وعدد قليل من اليهود. لكن اليوم، الأكثرية هي من الشيعة. «حركة أمل» تملك مكتباً فيها و«حزب الله» بنى «مجمّع أهل البيت التربوي» («جمعية الإمداد») منذ سنوات. المسيحيون غادروا خلال الحرب. والسنّة البيارتة من أبناء المنطقة باعوا بيوتهم القديمة ويغادرون المنطقة إلى بشامون وعرمون والطريق الجديدة، فتشيّد أبنية جديدة معظم سكانها من الجنوبيين. أبنية حديثة مرتفعة بعضها على مرمى عين من وسط بيروت. أما عدد مخاتير المنطقة وانتماءاتهم المذهبيّة فيقدمان نظرة تقريبية لعدد الطوائف الموجودة فيها حالياً: أربعة للشيعة ومثلهم للسنة اثنان منهم كرديان.
يتذكّر الحاج الأرض التي ارتفعت عليها حسينية زقاق البلاط. الأرض هذه ملك لبلدية بيروت في الأصل. قامت عليها مجموعة من المحال غير الشرعية من الاسمنت والتنك ومن بينها محل لبيع اللحم والشواء لأبو علي البابوري. جاءت الدولة لتزيلها فاستنجد أصحابها بالحاج الذي تحدث والمختار رشيد بيضون مع الضابط. غادرت الدولة لتعود بعد فترة بجرّافاتها وتزيلها نهائياً. فتقرر بناء حسينية مكانها. تم جمع الأموال من أبناء المنطقة وبدأ العمل. ولأن الزمان في الحرب كان زمان فوضى ولأن «لنا ناسنا في البلدية»، قامت الحسينية على أرض البلدية.

أرمن «كلاس»

يحب خضر بهلو الأشياء القديمة. من صور بيروت العتيقة بالأبيض والأسود التي علّقها في دكان السمانة الذي كان كاراجاً لدهان السيارات في ما مضى من الزمان، إلى بندقية الـ«دكّ» التي اقتناها مؤخراً. وسيف صدئ يمسحه بمنديل كلما رفعه بيده، من دون أن يعرف إلى أي مرحلة تاريخية يعود.
يشبه الخمسيني بعض زقاق البلاط الذي يرفض أن يتغير أو أن يقتنع بأن المدينة تتغير. يعرف، جار نادي «الهومنتمن»، جيرانه جيداً. سكن في المنطقة منذ منتصف السبعينيات ولم يغادرها مذاك. ولن يغادرها أبداً.
يحب خضر بهلو أيضاً القصص القديمة التي يرويها عن لسان والده زكي بهلو. كلما حكى رواية ابتدأها بعبارة «زمان مثلما يخبرنا آباؤنا..».
يقول خضر إنه في زقاق البلاط كان هناك الكثير من الأرمن لكنهم غادروا خلال الحرب. هناك من هاجر إلى كندا وهناك من سافر إلى أميركا. والرجل، صاحب النبرة الهادئة، قاطع بأنه لم يخرج أي أرمني من زقاق البلاط ليذهب إلى منطقة برج حمود الشعبية. فأرمن زقاق البلاط وفق معرفة خضر بهم هم «أرمن على مستوى وليس الذين جاؤوا في البابور». إذا غادروا زقاق البلاط فمعنى هذا أنهم يذهبون إلى منطقة الرابية الراقية.
يتذكرهم جيداً: «كان هناك خياط أرمني قرب «الهارلوكان»، اسمه موريس. «الهارلوكان» يقع قرب برج المر. والده أيضا كان من الخياطين الكبار. ربما صار موريس في أميركا أو كندا اليوم. كان عنا أيضا نازو كركشيان. مطار بيروت. «ميدل إيست». ما بتطير طيارة إلا ما يكشف عليها».
يحكّ رأسه وينفث دخان سيجارته في الهواء محاولاً استذكار وجوه الماضي: «كان عنا محام ترشّح مرة للنيابة. إذا لم أكن مخطئا هو من آل شمليان. هذا محام كبير. ترشّح في أيام فؤاد شهاب. هؤلاء كلهم كانوا أصحابي. أرمن كثير كلاس».
عمل زكي بهلو، والد خضر، مع شريك في «تجارة وكومسيون بالكرستا تبع الحقائب». تاجرا في أقفال الحقائب وحلقاتها. كانا يشتريان البضاعة من بلاد الشيوعية. من تشيكيا تحديداً. الشريك كان من سكان منطقة الظريف. سافر إلى أميركا وربما توفي فيها. الله أعلم. اسمه زوهراب تاجاريان.
في مبنى ملاصق لدكان خضر بهلو جلست مجموعة من إداريي «نادي الهومنتمن» لتبحث في شؤون النادي في مكتب فسيح تحت ثلاث صور بالأبيض والأسود للمؤسسين الأوائل للنادي العالمي: شفارش كريستيان، كريكور هاغوبيان، وهوفانس هنتيليان.
تأسس «نادي الهومنتمن» في بيروت في العام 1924 وتحديداً في دكان هايك بوداكيان للقمصان في سوق البزركان في شارع المعرض. في الدكان، تحت سقف من الإترنيت وبين جدران من الخشب، عقد المؤسسان ألبير هاغوبيان وهاروتيوم بيوكيان اجتماعهما الأول. لاحقاً تعقد أول جمعية عامة للنادي في صالة كنيسة مار نيشان مقابل السرايا الحكومية. الكنيسة ما زالت في مكانها. ولما لم يكن هناك مقر دائم للنادي كان الأعضاء يجتمعون في بيوتهم حيناً وفي قاعة الـ«وست هول» في «الجامعة الأميركية» أحياناً.
يقال إن المقر الأول للنادي كان في منطقة القنطاري حيث تقع محال عزيز حالياً. ويبدو أن قطع شجرة من أجل توسيع الملعب أغضب مالك الأرض فرفع دعوى ضد النادي وكسبها وأخرج النادي من أرضه. فانتقل «الهومنتمن» إلى شارع مار الياس حيث استأجر نادياً لكرة المضرب قبل أن يعود ليشتري أرضاً في زقاق البلاط، في منتصف الخمسينيات، ويثبت فيها منذ ذلك الحين. قبل أن يؤسس فروعاً له في زحلة وجونية وبرج حمود وطرابلس وغيرها من المناطق.
حاز النادي بطولة لبنان في كرة القدم سبع مرات. لن ينسى الإداريون لاعب هجوم اشتهر بركلاته الصاروخية، اسمه فارتيفار أوهانسيان. احترف فارتيفار، «أحد أفضل لاعبي الشرق الأوسط»، اللعب بين العامين 1940 و1952 وساهم بحمل النادي كأس بطولة لبنان خمس مرات. كما رفع النادي كأس بطولة لبنان في كرة السلة للرجال والنساء مرات عدة. وفي النادي فرق لكرة الطاولة والدراجات الهوائية والشطرنج وفرق كشفية يزيد عدد المنتسبين إليها على المئتين.

خضر باشا

قرب مسجد زقاق البلاط كان هناك محل لـ«كازوز جلول»، وفق رواية زكي بهلو، التي حمّلها لذاكرة ابنه خضر. كان الحاج جلّول يكبس قنينة الكازوز بالـ«كلّة» في دكانه الصغير. كل قنينة بقنينتها. كان بيت بهلو القديم في زاروب الدكان قبل أن تنتقل العائلة التركية الأصل والمنتمية إلى «عرب بني هلال» إلى منطقة الظريف. نالت الجنسية اللبنانية في زمن رئيس مجلس الوزراء سامي الصلح. وبعدما انتقلت إلى كركول الدروز، عادت إلى زقاق البلاط في منتصف السبعينيات وتحديداً إلى شارع داوود باشا لتشتري بناء من ثلاث طبقات ما زالت تعيش فيه حتى اليوم.
تنقّل خضر في مهن عدّة. عمل دهاناً للسيارات. وعمل مرافقاً للوزير السابق زكي مزبودي الذي كان وكيلاً لأرض كبيرة في زقاق البلاط تقع مقابل «مدرسة مار يوسف الظهور». سمح مزبودي لخضر بأن يبني كوخاً فيها يبيع فيه سكاكره لتلميذات مدرسة الراهبات التي تقع مقابل هذه الأرض في محيط يضمّ العديد من المدارس، مثل «الليسه عبد القادر» و«البطركية» و«الحريري الثانية». مكان أرض الكوخ نفسها شيّدت مدرسة رسمية عملاقة بعدة مبان غير أن التدريس فيها لم يبدأ بعد.
لا يفكّر خضر في مغادرة المنطقة الزاهرة بورش البناء أبداً. عرض عليه التخلي عن البناء الذي يقطنه مقابل مليوني دولار، فرفض. وبعشرة ملايين لن يبيع ولا بعشرين مليوناً. الأموال لن تشتري له منزلاً ودكاناً مقابل مدرسة في قلب بيروت. لا يريد أن يتخيّل المشهد التالي: عاملٌ أجنبي يقول له لا تستطيع استخدام المصعد أستاذ حتى تدفع الاشتراك. سيصرخ فيه خضر باستخفاف عندها: «روح من هون ولاه!». في ملكه يخلع ثيابه على الدرج ويصعد سيراً على قدميه. ينقلب الإصرار على التمسك بالملك ظرفاً.  يريد خضر بهلو أن يغير اسم الشارع من «داوود باشا» إلى «خضر باشا». عندما يمنع خضر أحداً من ركن سيارته في الشارع فمعنى هذا أن لا قوة على الأرض ستسمح له القيام بهذا الأمر.

«شارع الحبالى»

ولد مختار زقاق البلاط محمد يحيى اللبابيدي في الفترة الزمنية نفسها التي ولد فيها خضر بهلو، أي منتصف الخمسينيات. عندما ترشّح للمرة الأولى إلى المختارية جاء كثر ليقولوا له: «لم نأتِ لننتخبك بل جئنا لننتخب والدك».
كان والد المختار محمد زكريا اللبابيدي موظفاً في المحكمة الشرعية السنية التي كان مقرها في منطقة البسطة مكان البناء المعروف حالياً بـ«ثكنة فتح الله». بعدما نسفت في حرب السنتين انتقلت المحكمة إلى «دار الفتوى» في عائشة بكار قبل أن تنتقل مرة ثانية إلى الطريق الجديدة. خلال حرب السنتين كانت الناس قليلة في بيروت. قاضي بيروت كان الشيخ عبد الله مأمون بكار. اتخذ قراراً بنقل سجلات المحكمة إلى منزل الموظف في المحكمة محمد زكريا اللبابيدي، والد المختار محمد يحيى، حرصاً عليها من الضياع أو السرقة. صارت الناس تقصد منزل اللبابيدي في النويري من أجل تسوية معاملاتها، فصار معروفاً.
على بعد أمتار من مكتب المختار، في شارع يوسف الأسير، سكن في مبنى دسّوم التراثي الجنرال هنري غورو، المندوب السامي للدولة الفرنسية في لبنان. ووفق رواية المختار فإن اسم المنطقة جاء عندما اتخذت السلطات الفرنسية قراراً بتجديدها ورصفها بالبلاط بعدما سكنها الجنرال الفرنسي.
يوضح المؤرخ حسان حلاق هذه النقطة. يقول إن المنطقة اكتسبت اسمها عندما قام إبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا، بمسعى من متسلّم (محافظ) مدينة بيروت عبد الفتاح آغا حمادة خلال العهد العثماني في زمن الحكم المصري (1831-1840) برصف أحياء المنطقة ببلاط بازلتي أسود سميك، فعرفت المنطقة من حينها باسمها الحالي.
لشارع يوسف الأسير قصّة. في ما سلف من الزمان كانت بيروت مشهورة بالـ«دايات»، أي القابلات القانونيات. لم يكن هناك طبيب ولادة لأنه لم يكن مقبولاً لدى البيارتة المحافظين أن تتكشف المرأة على طبيب ذكر. فعرفت الكثيرات منهن مثل حليمة يموت، ونعمت البحيري، ونجاح الخطيب، وخديجة ملّاح، وممدوحة نقاش. المختار نفسه ولد على يدي حليمة يموت. كان الشارع يعجّ بالنساء الحوامل حتى كاد أن يسمّى بـ«شارع الحبالى».
جد المختار، خليل اللبابيدي، كان منتدباً من الدولة الفرنسية لتوزيع الإعاشة في زقاق البلاط. دكانه الذي وزّع فيه الإعاشة لم يبعد عن المبنى الذي سكن فيه الجنرال الفرنسي أكثر من عشرين متراً. عندما غادر غورو لبنان أعطى العسكر الفرنسي السرير الذي كان ينام عليه لابن خليل، محمد زكريا. وما زال السرير الحديد في منزل محمد زكريا اللبابيدي في منطقة النويري حتى اليوم.

«فرن مدام جان»
عصبيّة مدام جان. في حرّ هذا الفرن هي حتماً عصبيّة. صبي «الدليفيري» يزيد من حالها هذه. كلما ذهب لإيصال طلبيّة لا يعود إلا متأخراً. وأكثر من ذلك، يعترض في وجهها على حرّ تمّوز. كأنها مسؤولة عن تبريد رأسه أيضاً.
لكن السيدة صاحبة «الفرن الأرمني» الأشهر والأعتق في منطقة زقاق البلاط تعلّمت مع الوقت كيف تتمالك نفسها. تصرخ في وجه الصبي ويصرخ في وجهها. يعلو صوتاهما أمام الزبائن والعمّال. لا أحد غيرهما يعلم كيف سينتهي هذا الصراع الكلامي إلى أن يقرّر الصبي أن يحمل صواني الرقاقات ويغادر ساخطاً ناقماً متحدثاً إلى نفسه. فتهدأ لتتابع عملها في الفرن الذي أسسه حموها يغيا إشخانيان في منتصف الأربعينيات.
لم يكن مقدراً لكوهاريك، المعروفة بـ«مدام جان» أو أم إيلي، أن تنزل إلى الفرن أبداً. تزوجت جان الذي ورث الفرن عن والده يوم كانت الحرب الأهلية تكشف عن أسنانها الأولى وسكنت معه في بناية دادايان الملاصقة لنادي الـ«هومنتمن». لكن وفاة جان المبكرة في العام 1984، إثر مرض ألمّ به، وضعتها في هذا المكان بقوة الأمر الواقع. وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن إطعام أطفالها الثلاثة وعن حماتها العجوز أيضاً. قدّر عليها أن تشمّر عن ساعديها من أجل لقمة عيشها وعيش عائلتها فحملت الفرن والمسؤولية وحتى اسم زوجها الأول. ولم تتزوج بعد جان. مرّت أوقات صعبة. قالت في نفسها: «لو كان هناك رجل بالقرب مني لكان حمل نصف همّي». لكنها لم تفعلها ثانية. قدّمت مصلحة أبنائها على حقها بمتابعة حياتها. ولم تفكّر في مغادرة زقاق البلاط أبداً. مثلها كمثل سبع أو ثماني عائلات أرمنية رفضت أن تترك المنطقة تحت ضغط قذارات الحرب الأهلية.
يقولون إن الفرن الواقع في شارع حسين بيهم كان على الحطب في الماضي لكنها لم تشهد هذه الأيام. عاشت زمن فرن المازوت الذي كان كلما أعطاه عامل الفرن «بخّة» تهبّ غيمة من «الشحبار» السميك. لا يرجع عمال الفرن، ومدام جان معهم، إلى منازلهم إلا بوجوه مسودّة يومياً. كان ذلك قبل أن يصل الحرّاق الذي أعدم كل هذا «الشحبار» في الفرن الذي لا يبيع إلا اللحم بعجين وعدداً من الأصناف الجانبية مثل «المانتيه» و«الشيش برك» ورقاقات الجبن.
واللحم بعجين صنفان: «الأرمني» الذي يضاف إلى لحمه البقدونس والثوم والبندورة؛ و«الحلبي» الذي يضاف إلى لحمه البصل ودبس الرمان. وكلاهما بالسعر نفسه. مع أن «الحلبي» يجب أن يكون أغلى «لأن غالون الرمان بات يكلّف الكثير كي يصل من سوريا».
عمّال الفرن الخمسة من أولاد المنطقة أو من السوريين. فضّلت مدام جان الأقربين على الأبعدين. ذات مرة استعانت بعامل أرمني لكنه خذلها فقرّرت ألا تعيد الكرّة. ومهما صرخت «المدام» في وجوه العمّال فلن يزعلوا منها. فما بينهم أكثر من هذا التفصيل السخيف. أبو محمود مثلاً، ابن شارع الملاّ، يخبز في بيت النار منذ خمسة وعشرين عاماً أو أكثر.
لن تسلّم السيدة الستينية الفرن لأي كان على حياتها «علقت وما بقى فيني إترك». لا أحد سيهتم بزبائن الفرن ويدلّلهم على طريقتها. اهتمام يصل حدّ إمرار رسالة جريئة إلى زبونة مع سائقها الذي جاء لإحضار الطلبية: «قُل لمدام ترك أن لحمتها ما منيحة».
كذلك، هي لا تقبل إلا أن تنهي كل شيء بنفسها. حتى اللحام الذي تقتطع من عنده لحمتها يومياً منذ أكثر من عشرين عاماً تذهب إلى عنده في منطقة مار مخايل، صباح كلّ يوم، لتقف فوق رأسه عندما يحضّر لحمتها «المذبوحة شرعاً».
أسوأ يوم مرّ عليها، بعد وفاة جان، كان يوم احتراق الفرن بسبب احتكاك كهربائي. يدقّ باب المنزل ليحمل أحد العمّال الخبر السيئ. ولشدة صدمتها لم تبكِ. ذهلت. جمدت في مكانها. دارت الأرض بها. لكن الدمعة جفّت في حدقتيها وأبت أن تكرج على خديها.
خلال شهر واحد، لا أكثر، ستعيد الفرن أحسن مما كان.

«حوش أبو إبراهيم»
بيوت عتيقة متلاصقة. بعضها بسقف قرميد وبعضها الآخر من دونه. كل بيت من طبقة أو طبقتين لا أكثر. والطبقات العليا لهذه البيوت لا يمكن الوصول إليها إلا من طريق سلالم خارجية ذات درجات عالية. مع ذلك، فقد تعوّد الصغار صعودها. ربما كان «حوش أبو إبراهيم» الأخير من نوعه في قلب بيروت. أبناؤه بغالبيتهم من الأكراد مع عدد قليل من العمال السوريين. دهاليز الحوش ضيقة لكنها نظيفة ومزينة بالأشجار والعرائش التي زرعها سكانه أمام منازلهم وفوقها.
هاجر معظم أبناء الحوش من الشبان إلى ألمانيا. تقيم هنا عائلات منها سعدو، وفخرو، وعلي خان، وحسونة. حضر الأكراد من ماردين وديار بكر والعديد من المدن التركية إلى لبنان من «المرارة»، هرباً من غبن عاشوه في منطقة تمرّست في تهميش أقلياتها. وعندما ضاقت بهم الحال في لبنان غادر أبناء الحوش بحثاً عن أرضٍ جديدة في وطن جديد. لم يبق في الحوش اليوم إلا الأطفال والعجزة وعدد من المتبطلين.

وداعاً للتراث
تفقد المنطقة التي امتازت بطابع أرستقراطي مبانيها التراثية واحداً تلو الآخر. يلفت مدير «مرصد مجال»- الألبا في «جامعة البلمند» المهندس سيرج يازجي إلى دراسة قامت بها «أبساد» (جمعية حماية المواقع التراثية الطبيعية والأبنية القديمة) في منطقة زقاق البلاط في العام 1995 بيّنت وجود 94 مبنى تراثيا. ويتابع بأنه حالياً، وفي آخر إحصاء قام به «المرصد» في العام الجاري تبيّن أنه لم يبق إلا 23 مبنى تراثياً في منطقة زقاق البلاط.
من أشهر المباني التراثية المتبقية اثنان وافقت بلدية بيروت على إطلاق معاملات استملاكهما، هما قصر (التاجر) بشارة الخوري والمنزل الذي ولدت فيه فيروز. غير أن البلدية، حتى الساعة، لم تكمل معاملات الاستملاك، وفق يازجي. ومن المباني الشهيرة الباقية: قصور حنيني وزيادة والسفير البريطاني سابقاً (دار الأيتام حالياً)، ومدرستا الليسيه عبد القادر والبطركية.

رابط مختصر